قصة عمر شاهين
تتنفس "ذكريات" بعمق، بعدما أنهت أعمال المنزل، الساعة الثانية بعد الظهر،خمس ساعات متواصلة رافقتها المكِنسة ،خرقة التنظيف، إسفنجة الجلي، وصوت المذياع.
تغلق الباب الخارجي. تشعل الغاز لإعداد فنجان قهوة - سكر خفيف - متمنية أن يكون السكر أكثر حلاوة، ولكنها تخاف أن يداهمها الوزن الزائد ويبعد العريس الذي قد يأتي يوما ما.
تحضر من السدة علبة سجائر رخيصة الثمن ، تنزل عن الكرسي وتدير مروحة المطبخ. تجلس لتشعل سيجارة، فتغوص بأحلامها الشبيهة بحفلة، قدماها تتحركان كعصا "مايسترو" موسيقى، تنفث الدخان بعنف إلى الأعلى وكأنها تود اصطياد (اللمبة الصفراء) المعلقة في سقف المطبخ .
تتمتم متسائلة :"متى سيأتي، أعزب ، أرمل ، له أولاد ؟ لم يعد يعنيني من هو ، المهم أن يأتي ليخلصني من هذا الكابوس المسمى عنوسة . إن قيمتي في البيت لا تتعدى قيمة جارية في أيام العباسيين ، ضاع عمري دون أن أتمارى في عين شاب عاشق ، أو أتعطر بأنفاسه ، جفت بحيرة أذني وهي تنتظر طيور الغزل أن تغرد فيها .
لقد كبرت وأنا أنتظر صافرة شاب ولهان، تأتى من أحد الأزقة لتصيب جسدي كشرارة وتشعل أنوثتي المطفأة .
تباً للنسوة اللواتي يتمردن على الرجال ، ها أنا أنام ليلاً في سريري دون أن تقيدني أو تحيطني يدا رجل ليصير الليل علّي مثل ثلاجة تحفظ جسدي المتجمد . من اخترع كلمة عانس ؟ إنها حكم بالاعتقال الدائم مع مشاعر الكبت الشاقة .
عمي الذي يعمل في ألمانيا تجاوز عمره الأربعين وما زال يسمى أعزباً ، أما أنا فلم أتجاوز بعد الثلاثين عاما و بدأت هذه الكلمة تلاحقني ككلب مسعور. حتى أمي صارت تبخل علَّي بفستان أو بعلبة مساحيق جديدة .
تطفئ المروحة، وتتأكد من خروج رائحة الدخان. الطبخة جاهزة، تذهب إلى غرفتها وتُخرج كتاب اللغة الإنجليزية من تحت السرير وتنظر إليه بحقد:
- تبا لك، لولاك لما رسبت ثلاث مرات في الثانوية العامة وفقدت فرحة الدراسة في الجامعة و لكنت الآن أعمل في وظيفة، حتى وإن لم يكن شكلي جميلاً فمحفظتي ستكون قادرة على جلب الكثير من العرسان!
يعود الوالد من عمله. يفتح الباب بمفتاحه الخاص. يخلع الجاكيت ويناوله لذكريات، ومن ثم الحذاء، ترصد عينه اليمنى إحدى الستائر المشقوقة، ينهرها بعصبية :
- اذهبي بسرعة و أغلقي الستارة ، ألا تعرفين أنها تطل على نوافذ أبناء أبي سمير الهمل .
يسألها عن أمها ، فتخبره أنها ذهبت إلى بيت هيام أخت ذكريات التي أنجبت حديثا .
يجلسان في الصالة أمام التلفاز ، وبالرغم من أنها كانت تتابع مسلسلها المفضل، إلا انه أمرها بتغيير القناة ، فتوقفت وهي تقلب بين المحطات على أغنية لـ " نانسي عجرم ". صرخ بصوت عال :
- ضعي على إحدى القنوات الإخبارية بدلا من خراب البيوت الذي سبّبته المطربات .
تفكر بانزعاج :
-غريب ، أبي موظف حكومي ويعشق السياسة ، طوال النهار وهو أمام أخب













