نوفيلا
عودة الأرواح المهجَّرة -اهداء الى محمود درويش
1- الخروج
وصلت قبل نصف ساعة من موعد القطار العائد إلى مرسيليا. كم أحب الجلوس في محطة “جارده ليون” كلما عدت من باريس.
أشعر بأني أعيش حلم يقظة؛ فأنا في محطة باريسية فيها خليط من البشر يمر أمامي، جزائري، فرنسي، ومن شرق أوروبا وأفارقة.
أكثرهم من بلاد استعمرتها فرنسا ، قاوموها في تلك الفترة بضراوة حتى نالوا الاستقلال. وعندما تحرروا و غادرتهم فرنسا، ذهبوا إليها مهاجرين.
أحاول كل ليلة نسيان الماضي والعيش في مرسيليا، بين هذه الأفواه التي تنسيني لغة الراء، أسعى جاهداً أن أمحي من ذاكرتي كل ما يذكرني بالشرق، من مآسي الهجرة،الخوف، الضياع،الجوع….
منذ ذلك اليوم الأسود الذي سُمي يوم النكسة، صور كابوسية سوداء لا تغادر جفني كلما أغمضتها. يغلف الخوف وجه أمي الخائف، عيونها وهي تبكي وتلطم وتصرخ :
- ” راحت عكا راح الأهل راح “شقا العمر“
أبي يضع أساور أمي الذهبية بين يديه، لعلها تعطيه شيئاً من الأمان في مناطق لن يعرف كيف سيحصل على المال فيها .
لم يسمح لأمي بحمل أي قطعة من أثاث البيت، ردد :
- “المهم الولد يا فكرية، إنا ذاهبون إلى فلسطينيين مثلنا، لن نحتاج لأي لشيء.”
أبي يصوب نظره إلى بيوت حيفا ويبكي، أريد أن أجمع دموع أبي ، لأنها لم ترُ من قبل ولم تُر بعد ذلك.
عكا ووالدي غابا عني. عكا اغتصبها اليهود، وأبي لم يتمكن من استنشاق هواء غير هواء عكا، توفي وهو يهذي أ ن ذ ا ل .
موت أبي زرع بداخلي قوة الثأر من اليهود؛ ومن العرب أيضا لأنهم تخلوا عنا، من الذين نعتونا باللاجئين وكأننا غجر أقمنا على أراضيهم الجرداء، فألصقوا بنا تهمة أو طبقة اجتماعية جديدة تسمى “ابن مخيم”
حلمت بالانتقام، من كل شيء حولي من موظف الأمم المتحدة العربي الذي صرخ بوجه أمي، من المعلم الذي يضربنا ويجبرنا على العلم، من الخيمة التي ما كانت تحمينا لا صيفاً ولا شتاءً، من علب السردين ، من سقف الصفيح المثقوب بألف ثقب.
2-الأمل
في المخيم تعرفت على صديق جديد قادم من روسيا سيرافقني لسنوات طويلة بعدها..يدعى”كلاشنكوف”.
فقد تناقل الناس كلاماً يقول “إن الطريق الوحيدة لعودة فلسطين هي النضال الفدائي”.
بعت ما تبقى من حلي والدتي، واشتريت قطعة سلاح “كلاشنكوف”، عانقته وكأني أحضرت عروساً جميلة وثرية .
وكذلك كانت فرحة أمي عندما شاهدتني وأنا أفكه قطعاً مثلما تدربت قبل “النكسة” من أحد الشباب الفدائيين، وارتديت لباساً أخضر، صرت أمشي متباهياً رافعاً كتفي، أجلس مع الناس الذين يُحضرون فوراً أقداح الشاي، ويشجعونني على ألاَّ أذهب للعمل في دول الخليج وأنسى فلسطين.
الأطفال كلما شاهدوني أيضا يسلمون علي ويمسكون “الكلشنكوف”، ويسألوني
- عمو متى ستعيد لنا فلسطين؟
وآخرون من “المطعونين” عمراً يحذرونني من العملاء الذين كثروا بعد تردي الأحوال المادية.
قررت الهروب من المخيم إلى مكان لا أخاف فيه من العملاء، مكان يشبه جبهة الحرب، أقضي وقتي أصوب الرصاص نحو اليهود.
لماذا أظل في المخيم؟ لا يوجد في المخيم أرض نفلحها، أو تجارة ، حتى أمي غادرت الحياة وهي تهذي “راح نرجع يا أبو ثائر” وأطبخ لك صّيادية سمك.
توفيت أمي بالسرطان. فقد كان يأكلها منذ أيام عكا وهي لا تدري، السرطان الذي التهم عكا، وسَرق منها بيتها ، وأخذ منها البحر المتوسط، ومن ثم امتد لزوجها وتركها عشرين عاماً بين القروح وصفائح المخيم التي تعزف لحن الفقر والذل كلما أمطرت الدنيا.
توفيت أمي بعدما تمزق جلدها من شمس الوكالة، وسخونة “الزينكو”.كنا نشرب الحليب ونأكل السردين بالذل، بعد ساعات من الوقوف على الطوابير، بينما كان والدي يسوق لنا كل شهر عربة خيل تحمل ألذ ما تحويه أسواق عكا.
ماتت أمي وهي تصف لي بيتها في عكا، وتطلب إلي أن أُسكن زوجتي في الغرفة الشمالية لأنها مطلة على البحر، ماتت أمي وهي تضع يدها على الكلشنكوف وتقول عندما تستعيد شيئا من صحتها :
- يا بني هذا مفتاح فلسطين، يا ثائر أعد عكا وبعدها تزوج، إياك أن تجعل زوجتك تعيش مثلي في بيت ضيق،عليه سقف (زينكو) ينقل البرد ويجمع حرارة الصيف، الفقر والذل والتشرد يفسد كل فرح ويقتله قبل أن يولد.
بعد أمي لم يبق لي في ذلك المخيم سوى ذخيرة من الأيام أضعها في فوهة الثأر لأصوبها على الذين اغتالوا الفرح في عكا.
غادرت إلى لبنان، كان كل الفلسطينيين يذهبون إلى هناك، التي أردت الذهاب لها قبل عامين لأدرس في الجامعة الأمريكية، مع أني سمعت شيخ المسجد يقول للمصلين، سوف نقاتل اليهود من ضفة النهر الشرقية.
3 - النبوءة
بيروت أجمل من المخيم بمئات المرات،مدينة تشبه الجنة التي حدثنا عنها شيخ المسجد. لم أصدق في البداية أن بيروت عاصمة للحرب؛ فتيات جميلات نصف عاريات في الشوارع، البحر مليء بالعشاق، الشباب يحتالون على الحياة فيحولون أيامها إلى أقداح خمر حتى لا يتذوقوا آلامها دون أن تضيع ساعة واحدة من اليوم دون أن يتمتعوا .
في شوارعها كل أشكال الحياة التي تختصر عشرات العواصم، بنادق، كتب، فقراء، أثرياء، رصاص يطلق في الزقاق بين أعداء وفي مرات أخرى يطلق مجاناً وكأنه ألعاب نارية.
لقد سببت لي بيروت إرباكً شديداً حتى نسيت النضال، وظلت الملابس المدنية، تشعرني بالخوف من أن أموت مدنياً.
في كل يوم عصراً كنت أذهب إلى صخرة الروشة أنظر للبحر المتوسط؛ يقولون لي أن هذا البحر يوصلني إلى عكا، ليتني سمكة أسبح لشواطئ عكا أُقبل حجارتها أعتذر لأسوارها دون أن تراني الزوارق الإسرائيلية.
في بيروت بدأت أسمع بمسميات غريبة للنضال، تختلف عن فلسطين؛ ففي فلسطين كل من يحمل سلاحاً يسمى فدائياً فقط هكذا علموني، وبعدها صار هناك كلمة فتحاوي، ولكن في بيروت يجب أن أكون فدائياً حزبياً مقاتل له أيديولوجية ، لم أفهم ماذا يقصدون.
أعطاني كاظم كتاباً لميشيل عفلق وأخبرني عن البعث، وكلّما سألته :
- أليس البعث سيحصل بعد أن أموت شهيداً؟.
يضحك كاظم ويقول:
- كلا؛ البعث هو الطريق الأسلم للشهادة، وللعروبة، يجب أن تحيا الأمة قبل أن نموت شهداء وتردد (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ).
ذكرني كاظم بتجار المخيم، لأن جيبه كانت دوما تمتلئ بالمال مثل مكتبته، ولم أكن أعرف من أين يحصل على الكتب والمال ولأني أخاف من المبهمات، ولم أكن أريد أحزاباً تسعى لمصلحة دول.خاصمت “كاظم” وصديقه بالفكر “فادي” الذي كان يملك بعثاً آخر.
عبد الرحمن كان يقرأ لي دوما كتباً لسيد قطب، ويطالبني أن أصلح المجتمع العربي قائلاً بصوت جهور :
- (هذه جاهلية القرن العشرين يا صديقي ).
أنهره ما شأني وشأن العرب ومن قال لك أن هناك من يستقبلني في بلاده فسجونهم هي غرفة الضيوف التي يستقبلون من هو في مثل حالتي،فليذهب العرب للجحيم وليظلوا على جهالتهم .
صابر عكسه تماماً لا يُريد رجعيين دينيين، ويقول القومية هي التي سوف توحد العرب وتنهض بهم وتخلصهم من سطوة الاستعمار .
لم يفهمني صابر؛ لأني كنت أريد بيتي في عكا فقط، وأن أحصل على أسير يهودي وأجعله يبكي لأسترد دمعات أبي، فما لي وما للمجتمعات العربية ووحدتها، لم أر أي منهم في المخيم، ولم أر علماً عربياً واحداً على الشاحنات التي تحضر السردين، كنت أرى دوما أعلاماً زرقاء أحياناً تكون من الأمم المتحدة، وأحيانا تكون قوات إسرائيلية تأتي لتعتقل الشبان..
4- الولادة
كنت أتردد دوماً على المخيمات أجلس لأستمع للهجة الفلسطينية ، من الأفواه التي تحولت لمجامر ، لكثرة ما تحدثت عن فلسطين ،أشعر بينهم في أمان لا أجده في باقي المناطق، في إحدى ساحات مخيم برج “البراجنة” تعرفت إلى فتاة بيضاء البشرة ، ضعيفة الجسد تسريحة شعرها مثل الشباب، ترتدي بدلة خضراء -كتلك التي كنت أرتديها في المخيم- تُقلب مجموعة كتب معروضة على بسطة، تحدق في الكتب وترفع كل دقيقة كوفية فلسطينية ملفوفة على رقبتها، وقفت بجانبها أنظر لكل كتاب تتركه.
نظرت لي وضحكت :
- مناضل؟
- نعم
-رفيق أم أخ؟
- أي شيء يعيد لي فلسطين اللقب ليس مهماً ، حتى لو أسميتني بهلول!
ضحكت بشدة، جعلتني أشاهد أنوثتها الضائعة في البدلة العسكرية؟.
- أنا جوزفين .
- إذا كانت الألقاب الحزبية لا تهمك فأسمي ثائر نضال من عكا.
- عكا لم يتبق أحد فيها لقد هاجروا من النكسة.
- أقصد هاجرنا من عكا، ولكني قادم من مخيم، لا أريد أن ألصق نفسي بالمخيم حتى لا أنسى عكا، أنا الآن بلا وطن وجئت هنا لأسترد الوطن.
أرتاح وجهها وقالت بصوت خافت:
- لقد أخفتني نحن نتخوف من “عرب إسرائيل” نخشى أن يكونوا يهوداً يتقنون اللغة العربية.
- لا لا تخافي لم أدخل معسكراً في يوم من حياتي، ولكني هنا كي أكون فدائياً، ولم أتوقع أن أجد كل هذه الفصائل والمسميات.
- ما رأيك في أن تُصبح شيوعياً، مثلي وتصبح الرفيق ثائر.
- شيوعي ؟! لطالما حذرني أهل المخيم منهم، وأخبروني أنهم كفار وحطب لجهنم.
- أخرجت من جيبها اليمين مصحفا، ومن الشمال إنجيلاً، وقالت نحن لسنا ضد الدين ولكننا نريد تحييد المتدينين، خلاف أيديولوجي لا أكثر.
- ماذا قلتي لم أفهم هذه الكلمة الأخيرة ؟
- تحتاج إلى “فت خبز” أسمع يا ثائر يجب أن تسعى لهدف سياسي وليس عسكرياً فقط. كن شيوعياً أو حتى اشتراكياً تقدمياً تسعى إلى نهضة هذا الشعب ونشر العيش الحسن بينهم، هناك أعداء لنا غير اليهود لا نريد أن تعود فلسطين للأغنياء والبرجوازيين .
- محارب تقدمي ؟ أتقصدين مثل غسان كنفاني الذي استشهد حديثا.
- نعم، جيد أنك تعرف غسان كنفاني ،أتقرأ له؟
- قلت لك لست حزبياً ولكني لم أقل لك أني غير مثقف.
- ما رأيك يا رفيق ثائر أن تنتسب إلينا ،نحن نخطط وندرب وستكون فدائياً بطلاً.
- كلامك مقنع يا جوزفين، ولكن لا أريد أن أكون شيوعياً أريد أن أكون اشتراكياً تقدمياً.
- كوب شاي قد يُسهل علََّي الحديث معك، ولكنك سوف تحتاج لبعض الكتب قبل التدريب العسكري.













