
ليست محاولة رثاء بل مخطوطة بكاء لفقدان عزت القسوس:
ما أقسى الموت حينما يحرمك من عزيز يعرفك، له حضور في ساعاتك السعيدة والحزينة، وإن لم أكن يوما من الآبهين في هذا الدنيا، ولم أكن أميز بين فشلي، وإحباطي مما يدور حولي فيما أدرك دوما أني أتعاطى السعادة لفترات محدودة، وقد رضيت بقدر الله، وقد زججت نفسي فيما بعد قارئا وكاتبا لأحوال الناس، ولا اعرف لماذا قررت أن أعاقب نفسي بتسول هموم الناس وبسطها على صفيحة الورق لأتجرع آلمها.
اعتدت طوال سنوات عمري التي خلت على الجلوس وحيدا، حتى أني قرأت وحيدا، وكتبت وحيدا ولا أذكر أن أحد فكر أن يعلمني ولا أنا طلبت ذلك. وقليل من الأصدقاء الذين كانوا مقربين لي. اما باقي العلاقات فكانت عابرة وهادئة وراكدة إلا أن العلاقات الثابتة كان لها وقع وتأثير كبير في حياتي وكنت أحافظ على أن أقدم لها عطاء ومدد كبير.
ثمة ثلاث فواجع أثرت في حياتي وسببت لي إحباطا طويل المدى وولدت آلاف الهزات في قلبي، وكلها لرجال فقدتهم، حيث لم يكن للأنثى ذلك الحضور الواضح أو المؤثر في حياتي، فقد كنت شابا مملا لا تستهويه النساء، فأنا لا أتحدث سوى في السياسة وأكثر طموحي أن أقف على حجر محرر في عكا أو أصلي ركعتي الضحى في باحة الأقصى، هذا الشعور لم يكن يستوعبه الناس ولم يكن من يحبني أو يكرهني قادرا على استيعاب رجل أبله يحمل هموم العرب في رأسه الصغير.
في احيان كثيرة يكون الحزن مخاضا لولادة جديدة وحياة مختلفة لمشاعر تنفجر على حين دمعة، فقد كان موت البطل عبد العزيز الرنتيسي انطلاقا لي بالكتابة، ولحمل سلاح القلم وعلى دموعي تحولت لحبر في لحظة لم أكن قبلها أظن أني سأكون كاتبا وقاصا.
في صحيفة السبيل والرأي المتناقضتان و بحق لا يوجد شعور أجمل من أن ترى مقالا لك في صحيفة وتتأكد أن أفكارك تصل إلى عيون القراء … وقبل نشر المقال الثالث توفي نصر الدين العديلي ذلك الرجل الذي كنت لا أمل من الجلوس معه، مثلما هو كان يشعر بذلك مع أن عمري كان لا يتجاوز 27 عاما وهو قفز عن العقد السادس.
وكان قبلها بأسابيع قال لي :"لماذا تتكلم فقط ألا حولت حروفك للورق"، قررت أن أطيعه ولكنه مات وابتعد بنوبة قلبية حادة منعته من قراءة مقالي الثالث ومنعي من قراءة عيونه والجلوس بين أنفاسه. لم يمت فجأة فقد كانت الحياة تحتضر في عينيه وكنت أعرف أن قلبه طلب راحة طويلة المدى.
بعد عدة سنوات توفي صديقي زاهر سويدات. انقلبت سيارته في طريق غير معد للموت. دون سابق إنذار وآخر ما تحدثنا به قبل ساعة من وفاته أن هذا العالم مُحبط وأن كل الذين أشاهدهم يرتدون أقنعة كثيرة، وقد مللت من خلع الأقنعة ولم أعد أملك جهد البحث عن الوجوه الحقيقية. كان زاهر في تلك اللحظة يقرر أن يغادر هذا العالم غير آسفا ولهذه الحظة ما زلت أقسم أن سيارته لم تنقلب بل روحه غادرت شاتمة هذا العالم شديد التلون. فقد كانت عيونه محبطة لهذا العالم الغريب في سيره والذي لا تستطيع أن تمنح ثقة دائمة لمن يعشيون حولك بل عليك أن تعيش في حالة شك.
عشت السنوات الاخيرة أتدرب على فقدان الثقة بكل الذين أعاشرهم، وأتمزق في كل يوم وأنا أرى اللامبالاة أو الباحثين عن الشهرة في سوق الكلمات، حتى تعرفت على عزت القسوس.
يكفي أن أقول هاتان الكلمتان لأجد نفسي أعيش في هيام لرجل لم أعرفه سوى لبضعة اشهر، إلا أني أشعر به وكأن قرون مضت كنا نقضيها معا.
لم أحب شخصا في حياتي مثل عزت القسوس، فقد كنت لا أمل إذا ما سمعت صوته يأتي عبر الهاتف، كان قلبي يرتعش حين يقول "آهلين أستاذ عمر" والله لقد كانت حالة أسطورية تتخطى محبة العاشقين.
شعور لا أستطيع شرحه لأحد، وكل قاموسي اللغوي يعجز عن وصف لحظة
المزيد