تحقيق ومقدمة : عمر شاهين
حاز المسلسل السوري "باب الحارة" الذي عرض في رمضان 2007 والذي أخرجه المبدع بسام الملا ، على أكبر مشاهدة في تاريخ الدراما العربية ،متفوقا على مسلسلات ت،صح النوم، مقالب غوار ، رأفت الهجان ، الكواسر، مرايا ،طاش ما طاش ، والمسلسل الأسطوري المدبلج كساندرا. وعشرات المسلسلات الأخرى.
فالمسلسل حصل على مشاهدة عربية منقطعة النظير ، امتدت في جميع بيوت من يتقن اللغة العربية، وذلك لنجاح عاملين مهمين ، الأول الدراما السورية والتي سبقت هذا المسلسل بعشرات الأعمال الرمضانية التاريخية التي روت الحياة السورية في بديات القرن الماضي وحققت نجاحا منقطعا النظير منها ، أبو كامل،حمام القيشاني، الخوالي ، ليالي شامية ، وليالي الصالحية ، واتسمت هذه الأعمال بقدرتها على تشخيص المراحل الزمنية ونقل طريقة معيشتهم والشخصيات النموذجية والبطولية التي اتسمت بالكرم والتضحية ، والألفة فيما بينهم ، وعرض الأشياء التراثية ومنها الحكواتي والمختار والزعيم، والقهوة،المسحراتي ،البابور ، والحمامات الجماعية، وساعد على التعلق الشديد للناس بتلك الأجواء أنها كانت تعرض في شهر رمضان ،وهو شهر ديني روحاني يولد في النفس البشرية المشاعر الدينية والعاطفية ، وما يرافقها من أجواء تراثية كالمشروبات الرمضانية ، وتناول طعام الفطور والسحور بشكل جامعي ومنتظم وانتظار الغروب .
هذه الأجواء خلقت لدى المشاهد حنينا للماضي المفقود سيما في هذا الزمن الذي تفرق فيه الناس ، وصارت أرواحهم بعيدة حتى عن أقربهم، وغابت عنا التضحية ، والنخوة التي كان يملكها رجال تلك الأيام .
النصر الثاني الذي جعل مسلسل باب الحارة يستقطب هذا العدد الهائل وغير المتوقع من المشاهدين هو الجز الأول للعمل ، والذي عرض العام الماضي في شهر رمضان ، وكان شبيها لحد كبير لمسلسلي أيام شامية ، ليالي الصالحية ،من حيث الديكورات ونوعية الأشخاص ، ولكن المسلسلين السابقين رافقا مرحلة الاحتلال العثماني فيما كانت المرحلة الزمنية لباب الحارة مبنية علي فترة زمنية ممتدة من العشرينيات وحتى أواسط الأربعينيات وهي فترة الاحتلال الفرنسي .
فالجزء الأول قد ساهم كثيراً في شد المشاهد لانتظار أحداث الجزء الثاني ، بعد أن تمكنت الدراما السورية بعومها سيما التي تروي حكايا الحارة الدمشقية من توطيد قدرتها في جذب المشاهد العربي،وخاصة شخصية الادعشري التي مثلها الفنان بسام كوسا، وشخصية الزعيم التي أداها الفنان الكبير عبد الرحمن أل رشي، والغريب أو لنقل السؤال الذي لن يجاب عنه؛ أن المسلسل الأسطوري حضوريًا ، واجه نقد واعتراض من قبل النقاد المثقفين ، وبأنه أضعف من الجزء الأول حتى في سوريا نفسها وجه النقاد الفنييون انتقادات حادة له .
المسلسل كان يصنع وقت حضوره غياب في الشوارع ،وصوت باب الحارة يخرج من جميع البيوت ، الصغار والكبار ،حتى في المقاهي ، والمحلات التجارية العيون مشدودة نحوه ، يجلسون أمام الشاشة فيما أحداثه تصبح محور الحديث في اليوم التالي ، وهذا في معظم المدن العربية ، حتى ذكر الفنان عباس النوري الذي مثل دور أوب عصام أن أجرى 100 لقاء في شهر رمضان وحده وهذا ما يعادل جميع اللقاءات التي أجراها في حياته .
حتى أن كتابا مختصين في الفكر الديني كتبوا عنه عدة مقالات ، ولم ينسه كبار الكتاب العرب ، وصارت أغنية البليلة تعاد على ألسن الصغار ، ويطلبون إعدادها من قبل أمهاتهم، فيما صار الصغار يقلدون لباس "العكيد" سيما لفة القماش التي يضعها على رأسه، ومعظم الأكلات الشامية التي عرضت في المسلسل ، كانت النساء الخليجيات يبحث عن طريقة صنعها في الانترنت . فيما يعترف الشيخ صلاح كفتارو والذي يدير مجمع أبو النور العلمي بدمشق أنّ المجتمعات الدينية في سورية تنهي صلاة التراويح وتتجه فوراً لمشاهدة باب الحارة مُضيفاً أنه من مشاهدي هذا العمل. بل وصلت المبالغة في المدن الفلسطينية حد اختصار صلاة التراويح للحاق بالمسلسل. وفي بيروت اعترضت سيدة شيعية علي خطاب السيد حسن نصر الله الأخير لتوقيته مع زمن عرض باب الحارة . ولم يتوانَ أحدهم في رام الله من تسمية محله كوفي شوب وانترنت باب الحارة علي ما بين التسمية ونشاط المحل من مفارقة بين التراث والمعاصرة.
هذا الشكل من المتابعة يُحيلنا إلي طريقة استقطاب الشارع العربي لمتابعة خطابات عبد الناصر الإذاعية في ستينات القرن الماضي، بصمت واهتمام قلّ نظيرهما فيما بعد.
في المقابل فقد وجد النقاد أن أحداث المسلسل لم تبنى جيداً ،وقد فشل المخرج في صناعة شخصية شريرة بديلة للأدعشري الذي مات في الجزء الأول وحاول المخرج زج شخصية صطيف بديلة عنه في الجزء الثاني، و أن الصدف مليئة في العمل ، وأحداثه غير متراكبة ، فكيف يظهر معتز كبطل وقد ضرب الرجل العجوز أبا غالب والشخصية الضعيفة أبا بدر، فيما لم يقتنع النقاد من أن حارة تحرر ودون أي خدش ، أبناء الحارة المعتقلين من سجون الإنجليز ،ولماذا ثأر أبو انار من حارة "العكيد" في نفس الوقت الذي كان يهرب فيه السلاح، ولماذا يقتل صطيف الحمصاني ، وكيف شاء القدر أن يغلق أبو غالب القفل على دكانة أبو عصام في نفس اليوم الذي كان يريد إنهاء نومه فيها، وهل يعقل أن ينام رجل بمكانة أبو عصام في دكانة لفترة طويلة ونحن نعرف قدر الرجال في تلك الأيام ، ومع ذلك ستظل أسئلة كثيرة تحاك حول هذا المسلسل الذي نافس أكثر من ثلاثين عمل درامي جهزوا لشهر رمضان نال نصيب الأسد وتفوق على جميع ما عرض في الفضائيات .
الناقد الأدبي والفني المعروف نزيه أبو نضال تحدث عن هذه العمل قائلا :
الذين شاهدوا باب الحارة (1) في رمضان العام الماضي 2006، مع المبدعين بسام كوسا وعباس النوري، تورطوا في رمضان 2007، بمتابعة باب الحارة (2)، من إخراج بسام الملا. وهم هنا يتابعون، وقائع حكاية أخرى تدور أحداثها في عشرينيات القرن الماضي، أما على مستوى الشكل، فهي ذات الأجواء الفولكلورية لمفردات الحارة الشامية و ملابس وطقوس ولهجة ذلك الزمان.
ووسط هذا الفائض الفلكلوري، بكامل اكسسوارته ، وجد في الحلقات الأولى، ما يشده إلى وقائع قضية كبرى، وذلك من خلال شخصية العقيد أبو شهاب (سامر المصري)، المناضل الوطني ، ولكن المتلقي وفي معظم حلقات المسلسل، لا يعود يسمع شيئاً عن قضية المناضلين ولا عن فلسطين،!! عدا ذلك يجد المتلقي نفسه يراوح مكانه في ثرثرة مجانية مكررة وممطوطة حد الملل حول تفاصيل هامشية تخلو من روح الدراما التي تثري العمل، فيروح يستحضر البابور الأخرس، وأين يقف بائع البليلة ، وحكايات السامر أو الحكواتي وعن طلاق أبو عصام لسعاد عصام فينام بالدكان، وهو فعل ذلك كي لا يخالف الشرع، ولأنه ينوي العودة لزوجته ، وخلال نومه في الدكان يستمع صدفة، إلى مجرمين ينوون قتل أم سمير الحمصاني في الحارة وسرقة مصاغها، فلا يخبر أحدا من مسؤولي الحي ولا رجال الأمن!! مكتفياً بإبلاغ المرأة من وراء الباب المغلق بأن لاتفتح لأحد الباب، فتدور حوله الشبهات، فأين ذهب المحتل الفرنسي وأين اختفى مجاهدو فلسطين؟
لقد حاول العمل إعادة الروح لمنظومة القيم النبيلة في الحارة العربية القديمة حيث النخوة والمروءة والشجاعة والدفاع عن قضايا الوطن والأمة، ولكنه وبسبب الغياب الفعلي لهذه القيم عن النص الدرامي فقد استبدلت بإغراق المسلسل بمشاكل ثانوية تافهة لم تتوقف، وكادت أن تشكل الوجه الرئيسي للحارة..!! ورغم اكتشاف الجمهور بمعظمه لافتقار المسلسل إلى الدراما الحقيقية عن أحداث ووقائع كبيرة، تشده لسياقاتها وخواتمها، لايملك، باستثناءات قليلة، سوى الاكتفاء بمتعة الفرجة البصرية على مكونات ولا شك أن العبقرية الاستثنائية في استخدام المخرج بسام الملا للمكان الدمشقي قد صنع نوعا من الإبهار للجمهور.
الباحثة الاجتماعية ميسون برهومة أكدت أن : مسلسل باب الحارة من الأعمال التي تابعها عدد هائل من الأفراد تماشيا مع القيم التي عرضت من خلاله وانحصر تأثيرها في مجتمعنا هذه الأيام نتيجة عوامل التغير المختلفة وبذلك ك
المزيد