ويخطف السرطان أحبائي …طمليه لم أنساك بعد
كتبهاomar shaheen ، في 23 نيسان 2009 الساعة: 02:25 ص
عمر شاهين
في رائعة سميحة خريس رواية شجرة الفهود التي أرخت فيها لتاريخ اربد في بداية القرن الماضي كانت أم فهد وهي الجدة أو الشخصية الأنثوية المحورية في الرواية عاجزة أمام ملك الموت وهو يخطف أحفادها أمام أعينها حتى أن خريس تمكنت من تحويل الرواية إلى مجابهة بين ذلك الخيال الذي يخطف فتيات وشباب عائلة فهد أمام عيني الجدة وكأنه ينتقم منها.
حينما يهاجم الموت أصدقاءك يكون لديه اثر المرض في داخلك عبر ألمك على معاناتهم وتلك الذكرى الجملية التي من الصعب أن تسمح لها بالمغادرة ، قبل عدة أعوام أصاب المرض نصر الدين العديلي وهو جار سابق كان عمره 67 عاما ولكنه يشكل لي شخصية الأب الروحي وله الفضل علي بتنمية شخصيتي،وصنعني ككاتب قبل أن أتعلم الكتابة وأصدر مجموعاتي القصصية. منذ وفاته لا أستطيع نسيانه وكلما داهمتني معضلة أتخيل نفسي أود التوجه إليه ناسيا أنه غادر بعد أن قرأ لي المقال الثالث فقط .
يأتي السرطان بحالات عديدة . يتخلل أجساد أحبائك ، إما أن يستشرس بهم ويسرقهم من بين أيامك دون رأفة وكأنه ينتقم منك أو يسير ببطئ في خلاياهم ليترك مهمة التعذيب للعلاج الكيماوي، تخيلوا أني جلست في الحافلة بجانب صديق عزيز علي احتل السرطان جسده ولم أعرفه، فقد سرق المرض كل معالم وجهه، والحمد لله أنه بدأ في الكلام فعرفته من صوته .
صديقي عريس جديد افسد عليه السرطان عسله وحياته وحتى شعره الجميل ، وطفله سقط مبكرا من بطن امه بعد صرخة خوف .
يسكن السرطان دوما أجساد الذين أحيهم ،يعذبهم أمامي يحرق أجسادهم بالكيماوي ومن ثم يتركني دونهم ، شاتما له . تبا له كم يفسد علي حياتي يلاحقني في كل مكان لا يتركني أستمتع مع عزيز حتى أني صرت أتمنى أن يخوض جسدي المعركة معه علي أهزمه أو يهزمني .
جلست مع طمليه للمرة الأولى في المركز الأردني للإعلام أيام كان باسل الطراونة يصنع إعلاما في الأردن قبل أن يغتالوا إبداع باسل ويبعدوا طمليه مرة أخرى عن طاولة حكومية يتحدث بها بكل بساطة دون تلك الفنيات التي يستعملها في مقالاته وقصصه ، طمليه متحدثا بسيط جدا ورائع جدا وخفيف الظل تشعر منذ اللحظة الاولى أنك تعرفه منذ زمن طويل ولا يخيل لك أن هذا الذي كتب المجموعة القصصية " المتحمسون الأوغاد "
حينما ركضت لاول مرة في سيق البتراء مسرعا لأرى الخزنة كان بجانبي محمد طمليه يحدثني عن حربه ضد السرطان ، وقال لي يومها ونحن مع مجموعة من الكتاب منهم كامل نصيرات ويوسف غيشان واحمد الزعبي وماجد خواجا واحمد خليل في رحلة لن أنساها ما حييت أن السرطان عدو قذر ، ولكن طمليه قرر أن يحاربه حتى لو بنفس غير مستسلمة ، وقفة عز وكبرياء لم تكن تقل عن صورة الخزنة في ذهني .في ذلك اليوم عشت طويلا متأملا ما بين البتراء وطمليه ، فلطالما أوقفتني جمله التي تستطيع أن تصور الأحداث بلغز.
كم كرهت السرطان وقتها، فأنا تمنيت يوما أن أكون صديقا لرجل يملك عمقا أكثر من سيق البتراء ، خيال يلاحق شاب على عتبة الكتابة بان يكون طمليه صديقه ومع أني احتفظت بهاتف طمليه و اتصلت به مرات ومرات ولم أقدر على زيارته لأني أيقنت السرطان جاهز ليفسد أحلامي ولكنها نهاية سرطانية عبر عنها طمليه قبل موته بتلك الفقرة المختصر :
( زعيق سيارة الاسعاف يشعرني بأنني ضعيف: ترى رجلا وقورا ومهيبا, ولكن انظر اليه اذا لسعته نحلة.واذا اصابه زكام, واذا هرول في الطريق للحاق الباص, أين الهيبة؟ أين الوقار والوجاهة؟ اللعنة… ما أتفهني, أموت لأي سبب. هكذا: "محمد طمليه" مات البارحة, هل دفنوه؟ لقد حملوه الى المقبرة, ولوحظ اثناء غسله قبل التكفين انه ضئيل جداً, وبائس جداً. هل كان حزينا؟ لم ندقق في وجهه, كنا على عجل من أمرنا, فأمامنا جثمان آخر وقبر مفتوح على الدوام.اسمع زعيق سيارة الاسعاف, وأتساءل متى يحين دوري؟) .
هذه الكتابة الطمالية العجيبة التي لا تنتمي لأي جنس كتابي أو أدبي . اختلف طمليه كثيرا عن زملائه في كتابة المقالة فقد رفض أن يملي عمودا يوميا في أي صحيفة كتب بها، بذات الشكلية المعتادة والمكررة ، فلم يكن يلتزم بالكتابة اليومية ، ولا في نوع الكتابة فلم يكن ما يحدث في عالمنا العربي المتسارع الأحداث والمتحجر في التعيير ، فهو لا يحتاج إلى كتابة عادية لا تضيف لمئات الصحف وملايين القراء أي جديد ، فأسس كتابة ساخرة خاصة لم يستطع أحد تقلديه بأسلوبها وصياغتها ولم يقلد هو من قبله أو يتأثر بمن عاصره أو سبقه .
طمليه الذي كان يجلس على الارض أمام مكتب رئيس التحرير كتصرف احتجاجي يؤسس فيه حقيقة الكاتب المتمرد ، فيكفيك دقيقة تجلس فيها مع طمليه لتدرك ان هذا الكاتب صادق يبحث عن حلة اشكالية عقدة الخيط العربي.
مقالات طمليه كتابة قصيرة تحتار في تصنيفها هل هي قصص قصيرة أم جمل فلسفية أم ابر صينية تخترق الأوجاع العربية التي نتجرعها كل صباح . أم كتابة ناقدة تتعدى الساخرة المضحكة التي عهدناها عند غيره ، لذا كان يعتبره زملاء الكتابة الساخرة الآخرون راهبهم ومعلمهم الذي يشعرهم كل يوم بأنهم بحاجة لدروسه والتعلم من فنونه المتجددة والانقلاب على أحرف الكتابة والتحايل على عقلية القارئ والمراقب.
لم تستطع هذه الحداثة بكل أشكالها وتطوراتها بأن تغير من محمد طمليه الذي رفض أن يكون حداثيا شكلانيا دون أن يشاهد هذه الحداثة تغير في مسار الإنسان العربي وواقعه الاجتماعي والسياسي لا إنسان فقط يتقن استخدام آلات الحداثة.
ولم يكن يعتليه أي مديح لنفسه أو غرور يناسب حجم إبداعه وشعبيته ، كان يختلف عمن شاهدته من الكتاب لا يهتم بذاته وحضوره بقدر اهتمامه بحضور أحرفه في عقول القراء وهذا حقا من الكتاب النادرين الذين لم يريدون من الكتابة نوعا من الظهور .
أشاهد أجساد أحبائي وادعوا أن الله ألا يكون السرطان بداخلهم ، صدقوني أن السرطان شيطان خبيث يعرف دوما في أي جسد يتخلل ، يختار الأجساد الطاهرة ويعذبها ، ولا ادري هل هو يسحب تلك الأجساد محبة لها ليخلصها من هذا العالم أم يرفض أن تظل الارواح الطاهر ببينا .
اميل :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابات خاصة | السمات:كتابات خاصة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























